صديق الحسيني القنوجي البخاري

108

أبجد العلوم

وتتشوف نفوس أهل الجيل الناشئ إلى تحصيل ذلك ، فيفزعون إلى أهل معرفته ويجيء التعليم من هذا . فقد تبين بذلك أن العلم والتعليم طبيعي في البشر » « 1 » . * * * الإفهام الثاني في أن العلم والكتابة من لوازم التمدن : اعلم أن نوع الإنسان لما كان مدنيا بالطبع وكان محتاجا إلى إعلام ما في ضميره إلى غيره وفهم ما في ضمير الغير اقتضت الحكمة الإلهية إحداث دوالّ يخف عليه إيرادها ، ولا يحتاج إلى غير الآلات الطبعية ؛ فقاده الإلهام الإلهي إلى استعمال الصوت وتقطيع النفس الضروري بالآلة الذاتية إلى حروف يمتاز بعضها عن بعض باعتبار مخارجها وصفاتها ، حتى يحصل منها بالتركيب كلمات دالة على المعاني الحاصلة في الضمير فيتيسر لهم فائدة التخاطب والمحاورات والمقاصد التي لا بدّ منها في معاشهم . ثم إن تركيبات تلك الحروف لما أمكنت على وجوه مختلفة وأنحاء متنوعة حصل لهم ألسنة مختلفة ولغات متباينة وعلوم متنوعة . ثم إن أرباب الهمم من بني الأمم لما لم يكتفوا بالمحاورة في إشاعة هذه النعم لاختصاصها بالحاضرين سمت همتهم السامية إلى اطلاع الغائبين ومن بعدهم على ما استنبطوا من المعارف والعلوم وأتعبوا أنفسهم في تحصيلها لينتفع بها أهل الأقطار ولتزداد العلوم بتلاحق الأفكار ، ووضعوا قواعد الكتابة الثابتة نقوشها على وجه كل زمان ، وبحثوا عن أحوالها من الحركات والسكنات والضوابط والنقاط وعن تركيبها وتسطيرها لينتقل منها الناظرون إلى الألفاظ والحروف ومنها إلى المعاني ، فنشأ من ذلك الوضع جملة العلوم والكتب . * * * الإفهام الثالث : في أن الخط والكتابة من عداد الصنائع الإنسانية « 2 » : وهو رسوم وأشكال حرفية تدل على الكلمات المسموعة الدالة على ما في النفس ، فهو ثاني رتبة من الدلالة اللغوية ، وهو صناعة شريفة إذ الكتابة من خواص الإنسان التي تميز بها عن الحيوان . وأيضا فهي تطلع على ما في الضمائر وتتأدّى بها الأغراض إلى البلد البعيد

--> ( 1 ) آخر ما نقله من مقدمة ابن خلدون ( ص 461 ) . ( 2 ) انظر مقدمة ابن خلدون ( ص 444 - 449 ) .